بث تجريبي

ما بعد انسحاب "ابوظبي" من اليمن ، سيناريوهات التقارب الإماراتي الإيراني، وخارطة الحرب الجديدة
الثلاثاء 30 يوليو ,2019 الساعة: 01:03 صباحاً
الجند بوست |وحدة التقارير | خاص

الخامس والعشرين من آذار مارس 2015 تاريخ الإعلان عن بداية تحالف عسكري بقيادة المملكة العربية السعودية الى جانب دولة الإمارات العربية لدعم الشرعية والرئيس اليمني المعترف به دولياً عبدربه منصور هادي تحت مسمى «عاصفة الحزم». 



السابع من يوليو /حزيران 2019، أعلنت الإمارات انسحاب قواتها من اليمن، بعد خمس سنوات من الحرب كانت الإمارات ابرز اللاعبين فيها لا سيما في جنوب اليمن حيث التواجد الأبرز لها، إضافة لخارطة انتشارها في معظم السواحل والجزر اليمنية، الأمر الذي تسبب بتوتر العلاقة بينها وبين الحكومة الشرعية منذ وقت مبكر.


تموضع ام انسحاب

وبالنظر الى الإنسحاب الغامض للقوات الإماراتية، او "إعادة التموضع والإنتشار" كما يحلو لبعض المحليين العسكريين تسميته فيبدو انه يأتي وفق لمنحى جديد واستراتيجية تحالفات جديدة لأبوظبي، في وقت تشهد فيه منطقة الخليج توتر عسكري، وتطورات متصاعدة بين ايران وامريكا من جهة، وبين ايران ودول الخليج من جهة اخرى.



في تقرير حديث لمركز "كارنيغي للشرق الأوسط" ، تحت عنوان "الإمارات تموضع لا إنسحاب" تطرق لنقطة خطيرة قد تشكل فارقاً إستراتيجياً للحرب في اليمن، حيث اشار التقرير الى ان اعلان الإمارات انسحابها من اليمن يأتي في إطار تقارب إماراتي إيراني، واتفاقات وتفاهمات تمت خلال الفترة الأخيرة بين مليشيا الحوثي الانقلابية المدعومة إيرانياً وبين ودولة الإمارات، قبيل اعلان الأخيرة سحب قواتها من اليمن.


ويضيف التقرير ان الإمارات اعلنت سحب قواتها من اليمن، الا انها لازالت اللاعب الأقوى ، خصوصا وأنها قد دربت يقارب 90000 جندي، إضافة الى إمتلاكها تكوينات وتشكيلات تخضع عملياتياً لأبوظبي مثل قوات الحزام الأمني، والنخبة الحضرمية، والنخبة التهامية وقوات العمالقة، وجماعة او كتائب ابوالعباس في تعز، إضافة الى قوات ما يعرف بـ "حراس الجمهورية" وهي تشكيلات مسحلة يقودها نجل شقيق الرئيس السابق "يحيى صالح" اشرفت الإمارات على دعمها وتسليحها ولا تخضع لوزارة الدفاع اليمنية. 



تقارب وتبادل مصالح

الباحث "أحمد ناجي" معد تقرير "كارنيغي" وهو باحث مختص بالشؤون اليمنية، علل اسباب الإتفاق بين الحوثيين والإمارات لتجنُّب اشتداد القتال في جبهة الساحل الغربي (الحديدة)، مدللاً على ذلك بعدم استهداف موانئ ومطارات الإمارات كما فعلوا في السعودية، لافتاً الى ان الحوثيين لا يولون الجنوب اهمية كبيرة بحكم سيطرتهم على معظم مناطق شمال اليمن.


ولفت الى انه ومنذ انطلاق عمليات التحالف العربي العسكرية اختلفت استراتيجية الإمارات عن استراتيجية السعودية، مؤكدا ان الإمارات تعتبر خفض حضورها على الأرض سيجعلها أقل عرضة للمساءلة على خلفية الكارثة التي حلّت في اليمن.


وبين التقرير ان ”الإمارات تُركّز بصورة أساسية على جنوب اليمن والمنطقة الساحلية، ولاتُبدي اهتماماً كبيراً بما يجري شمال البلاد“ وهو ما جعل من الأمر نقطة مشتركة بين الطرفين.


لم يكن تقرير "كارينغي" هو الوحيد الذي يشير الى حقيقة التقارب الإماراتي الإيراني، فقد كشف مستشار المرشد الإيراني الأعلى "علي خامنئي" للشؤون الدفاعية، "حسين دهقان"، قبل يومين في تصريح على قناة الجزيرة القطرية أن السلطات الإماراتية أوفدت مندوبين إلى طهران للحديث حول السلام في ظل التوترات التي تعصف بمنطقة الخليج.


كان قد سبق ذلك تصريح لنائب امين عام حزب الله اللبناني "نعيم قاسم" عن اتصالات سرية بين الحوثيين والإمارات، وبين الإمارات وإيران على وقع تطورات، أعلنت خلالها أبوظبي سحب جزئي لقواتها من اليمن، ما تسبب بخيبة أمل كبيرة لدى السعودية بحسب صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية.



لكن وبعيداً عن الصراع الدولي، ثمة تساؤلات لدى الشارع اليمني، تظهر من خلال تناولات وسائل الإعلام والناشطين اليمنيين، ويزيد حدة هذه التساؤلات الممارسات المستمرة للمليشيات الإماراتية، ومستقبل تشكيلاتها المسلحة واذرعها العسكرية، في جنوب البلاد وبعض المحافظات مثل تعز.



شمال حوثي، وجنوب إماراتي

إضافة الى ذلك فإن ما يزيد من خطورة الوضع كما يرى مراقبون، ان اتفاق الإمارات مع ايران سيعزز بالضرورة من نفوذ الأخيرة في اليمن وسيقلب موازين الحرب لصالح مليشياتها (قوات الحوثي)، خصوصاً في ظل امتلاك الإمارات حالياً لحشد كبير من المليشيات المسلحة التي كانت قد دربتها لغرض مواجهة الحوثيين، حيث يتخوف مراقبون من خطوة تطويع الإمارات لهذه المليشيات التابعة لها لخدمة الأجندة الإيرانية بعد تقاربها مع طهران. 



ويمكن فهم طبيعة التقارب الإماراتي الإيراني الحوثي من خلال تصريحات مسئولي الطرفين، حيث لم يخفي الناطق بأسم مليشيا الحوثي "محمد عبدالسلام فليته" في حواره مع قناة RT الروسية قبل ايام بوادر التفاهم بين الطرفين. 


"عبدالسلام" اشار بوضوح الى ان جماعته تقدر اي دور ايجابي يسعى لخلق فرص سلام في اليمن وستتعامل بإيجابية مع كل من يمد يده لذلك، في اشارة ضمنية الى موقف دولة الإمارات والتقارب الأخير بين الطرفين. 




تقارب دافء

قريباً من ذلك يزيد موقع المونيتور الأمريكي إثبات حقيقة التقارب بعد نشره تقريراً تحدث فيه عن مساعٍ إماراتية في الأمم المتحدة لاعتماد حل سلام شامل في اليمن مبني على إقامة إتحاد “كونفدرالي” بين الشمال والجنوب مع إعطاء الجنوب حق الحكم الذاتي.


من جانبها لا تخفي الإمارات موقفها كذلك، فقد كانت تصريحات مستشار ولي عهد ابوظبي الدكتور عبدالخالق عبدالله صريحة، ومثيرة للجدل في اوساط الشارع اليمني، بعد ان قال في تغريدة على تويتر "لن يكون هناك يمن واحد موحد بعد اليوم" تغريدة اعتبرها البعض احدى نتائج التقارب والإنسجام الإيراني الإماراتي الذي ينطلق من مشروع تقسيم اليمن وفق مصالح مشتركة توسع من نفوذ الإمارات في الجنوب، والحوثيين في الشمال مع خدمة كل طرف لمصالح الآخر. 


تغريدة مستشار ولي عهد ابوظبي قوبلت بردود فعل ساخطة رسمية وشعبية، حيث علق مستشار الرئيس هادي عبدالعزيز جباري رداً على تغريدة عبدالخالق بالقول"
شكرا لك يا دكتور على هذه البشارة والمواقف العربية الأصيلة، فهذه المواقف المشرفة لا يتخذها إلا الكبار أمثالك، فغيرك لم يقف معنا هذا الموقف، فلا نتنياهو، ومن قبله شمعون بيريز ولا حتى شارون نفسه سمعنا منهم بمثل هذه البشارات، ولا حتى حكام إيران رغم رغبتهم الكبيرة لذلك".


واضاف جباري مخاطباً عبدالخالق عبدالله "بشرتنا أنكم سوف تجزؤون بلادنا بشرك الله بما تستحق، لم نكن نصدق أنكم تحبوننا هذا الحب الشديد وتريدون لليمن الخير الكثير وكانت عقولنا ترفض مثل هذا الكلام حتى سمعناها ولمسناها منك ومن غيرك".

وقال "لكن بعد هذا لا مجال إلا تصديقك، ولن نستغرب أن تقولها في يوم ما لدولة شقيقه أخرى بأن المملكة لن تكون موحدة بعد اليوم".

ودعا جباري الشعب اليمني وقواه الوطنية والسياسية لأن تعي، ولا عذر لأحد بعد اليوم.


اما الكاتب اليمني مروان الغفوري فنشر مقال مطول بعنوان "مواجهة الطاعون بالكوليرا" تطرق فيه لدور الإمارات في اليمن، حيث ختمه بالقول :
عجّت مدن الجنوب بالميليشيات المناهضة للدولة اليمنية، وحدث أن ألقى مجهولون قنابل على حفل عسكري رفع فيه علم اليمن، وقتلوا جنوداً. وقبل شهر انفجرت ثلاثة حروب في عدن، شبوة، وسقطرى. كانت الميليشيات الإماراتية طرفاً، وكانت وزارة الداخلية الطرف الآخر. وإذا كانت إيران قد نصبت للدولة فخاً مكشوفاً فإن الإمارات قد ملأت اليمن بآلاف الفخاخ.



ويرى خبراء بإن الإتفاق والتقارب بين الإمارات وايران سيضمن للإمارات التي اعلنت انسحابها بقاء سيطرتها التامة على الجنوب من خلال التشكيلات التابعة لها، كما سيضمن كذلك للحوثيين ومن خلفهم ايران تحقيق اهدافها إن في الشمال او الجنوب. 


الشرعية.. غياب الموقف

غير ان ثمة ضبابية تكسو موقف الحكومة الشرعية التي لازالت حتى اللحظة غائبة عن المشهد تماماً في ظل الحديث خارطة حرب جديدة تتشكل ستزيد من تحجيم وتقويض سلطات الحكومة على الأرض. 


وعلى ذات القدر من الضبابية المصحوبة بالصدمة يبدو موقف المملكة السعودية، ربة التحالف حيال موقف شركيتها ابوظبي، حيث اعتبر محللون موقف الإمارات بمثابة طعنة في خاصرة المملكة التي تقف في الواجهة مقابل فوهة المدفع الإيراني الموجه صوب الخليج. 



ويبدو ان الإمارات ابقت الوضع مفتوحاً بين هلالين من الفوضى في اليمن، البلد الذي يدخل منتصف عامه الخامس من الحرب متربعاً سلم البلد الأكثر مأساوية في العالم، والذي يموت مواطنية بين كماشة الحوثيين وحربهم الدموية من جهة، وبين سياسة التحالف الذي فقد بوصلته من جهة اخرى، ومن استطاع الخلاص منهما مات جوعاً او في مخيمات النزوح، فهل الى سبيل من خروج.. يتسائل اليمنيون ؟!